شمس الدين العجلاني– أثينا - صحيفة الوطن السورية 10-2-2010
نحن الآن في الفترة الواقعة مابين عامي 1944 م و1945 م، أمام اوتيل (فندق) أوريان بالاس (الشرق) في ساحة محطة الحجاز، والساعة تقارب الرابعة بعد الظهر. يخرج من باب الفندق رجل يبلغ الخمسين من العمر، طويل نحيف، جميل، حسن الهيئة وأنيق المظهر، وعلى الرغم من مظهره الجاد، لكن الابتسامة تعلو شفتيه.؟
يسير باتجاه طريق الصالحية وصولاً إلى مبنى البرلمان سيراً على الأقدام من الفندق حتى بناء مجلس النواب ليترأس جلساته. لم يكن يرافقه في مسيرته اليومية هذه أي حارس (مرافق) ولا شرطي ولا موكب، ولم تكن تقطع الطرقات له وتفتح إشارات المرور الحمراء على مصراعيها، ولم تزأر السيارات بصفاراتها الحادة معلنة مرور رئيس مجلس النواب، كان رحمه اللـه يتمشى سيراً ليلقي البسمة والتحية على المارة ويتكلم معهم ويحمل همومهم وآمالهم إلى مجلس النواب، ولم يكن يرى من الحرج أن يصافح المارة ويسألهم عن أحوالهم... كان هذا الرجل يدعى سعد اللـه الجابري.من سعد اللـه الجابري:هو رجل من رجالات سورية الذين نذروا الغالي والرخيص في سبيل إعلاء راية سورية والحفاظ على كرامتها وصون استقلالها... ولد في حلب عام 1894م، وتلقى علومه الأولى فيها، وفتح عينيه على قضايا النضال والسياسة والاهتمام بشؤون البلاد حيث كان رجالات حلب يجتمعون في منزل قريبه الشيخ عبد الحميد الجابري للتداول في أمور البلاد وما آلت إليه، وكان الطفل سعد اللـه يشارك في هذه الاجتماعات برفقه أهلة فصحا على اجتماعات واتصالات ومناقشات تقوم بها عائلته مع رجالات وأعيان البلد.. أنهى سعد اللـه دراسته الثانوية في حلب، ثم سافر إلى اسطنبول لمتابعة دراسته في الكلية الملكية السلطانية، ومن ثم سافر إلى ألمانيا حيث تابع دراسته لقرابة العامين وعاد بعدها إلى اسطنبول، فجند في الجيش العثماني برتبة (كجك ضابط) وعُين مراقباً على الأرزاق وقوافلها في بلدة (أرض الروم) وقضى مدة الحرب هناك.وعندما وضعت الحرب أوزارها عاد سعد اللـه إلى مسقط رأسه حلب، ودخل في الأحزاب السياسية المناوئة للاستعمار وشارك في النشاطات والمظاهرات والثورة السورية ضد المستعمر الفرنسي، ونتيجة لمواقفه الوطنية هذه اعتقل الجابري عده مرات وأودع في سجن أرواد مع هاشم الأتاسي والعديد من الشخصيات الوطنية الأخرى، ونفي إلى جزيرة (عين ديوار).شغل الجابري العديد من المناصب المهمة في سورية فكان وزيراً للداخلية، ثم للخارجية، كما تولى رئاسة مجلس النواب ورئاسة الحكومة السورية، وأدى عناده الوطني وموقفه الصلب إلى الحفاظ على كرامه الوطن ففي تاريخ 29 أيار 1945 رفض إنذار المفوض السامي الفرنسي بأن تأخذ حاميه البرلمان السوري التحية للعلم الفرنسي حين إنزاله مساء عن سارية العلم في المبنى المقابل للبرلمان والذي كان يشغله الفرنسيون كمقر لقواتهم فقامت قيامه قوات المستعمر وقاموا بمجزره البرلمان والاعتداء على دمشق، ومازلنا ليومنا هذا نتغنى بالموقف البطولي للجابري في رفضه لإنذار المستعمر ونحتفل في 29 من أيار من كل عام بذكرى الموقف البطولي للجابري وحاميه البرلمان.الرحيل:مرض سعد اللـه الجابري في آخر زيارة قام بها إلى مصر، حيث كان هنالك لحضور مجلس الجامعة العربية عام 1947... فبقي في الإسكندرية للتداوي، فدخل مستشفى المواساة في الإسكندرية، وخرج مديناً بما يزيد على /12/ ألف ليرة سورية، ولم يسمح لنفسه أن تمتد يده إلى المال الذي فاض عن حاجة الوفد، وهو مبلغ /6/ ستة آلاف ليرة سورية زادت عن مصروف الوفد السوري الذي ترأسه إلى الإسكندرية، فأعاده إلى خزينة الدولة إنها عفة اليد والنزاهة التي تمتع بها طوال حياته... وأثناء مرضه في الإسكندرية استقال من عمله، ورجع إلى حلب وقضى فيها بضعة أشهر، وما لبث أن وافاه الأجل في حزيران عام 1947. هذا الرجل من الزمن الغابر ويدعى سعد اللـه الجابري، كان كأي مواطن عادي يتمشى في طريق الصالحية سيراً على الأقدام ليترأس مجلس النواب (كان رئيساً لمجلس النواب السوري من 17/10/1944 ولغاية 16/9/1945)، ليشرع للوطن وكان يدرك تماما أن الإنسان في جوهره وليس في زئير سياراته.. كان أثناء حكمه نزيهاً نظيف اليد عف اللسان؛ يرتفع عن السفاسف ويتعالى عن المغريات؛ استغل المنصب لخير وطنه ورفعة مواطنيه. كان يدفع في سبيل القضية كل ما يملك؛ ومات فقيراً واضطر أخوه فاخر الجابري أن يدفع عنه فواتير (أوتيل) أوريان بالاس حيث كان ينزل..؟ لأن شأنه شأن أغلب رجالات سورية باع أملاكه من أجل الثورة وطرد المستعمر الفرنسي.. كان الجابري كشكري القوتلي، وخالد العظم، وفارس الخوري، وإبراهيم هنانو، وصالح العلي.. ككل مواطن عربي سوري صادق على مساحه الوطن يصرف من ماله الخاص على وظيفته، ولم يكن يبحث عن امتيازات أو مكاسب وبقي خالداً في أفئدة الوطن والمواطن لأنه كان يعلم أن كل شيء زائل وأن صفحات التاريخ تسجل العظماء في خانة البسطاء... كان الجابري حين قدومه إلى دمشق يقيم في اوتيل أوريان بالاس (الشرق) وكان يوزع راتبه الذي يتقاضاه على مستخدمي الأوتيل.. كان يتمشى في طريق الصالحية سيرا على الأقدام ويوزع الأمل والمحبة بين المارة ولم يرافقه في مسيرته هذه شله من الحرس ولا الشرطة ولا موكب سيارات (مرسيدس) تزأر معلنه قدومه، لم تكن تقطع الطرقات للجابري ولم تفتح إشارات المرور الحمراء على مصراعيها، كان رحمه اللـه يتمشى سيراً على الأقدام في طريق الصالحية ليصل إلى دار البرلمان ويعلن افتتاح جلسات مجلس النواب ويشرع للوطن، لأنه كان يعلم أن كل شيء زائل وأن صفحات التاريخ تسجل العظماء في خانة البسطاء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق